الخطيب الشربيني
81
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
خشوعكم ولا ركوعكم إني لأراكم من وراء ظهري » « 1 » ، وقال عطاء عن ابن عباس : أراد وتقلبك في أصلاب الأنبياء من نبيّ إلى نبيّ حتى أخرجك في هذه الأمة ، وقيل : تردّدك في تصفح الأحوال المتهجدين من أصحابك لتطلع عليهم من حيث لا يشعرون ، وتستبطن سرائرهم وكيف يعبدون الله وكيف يعملون لآخرتهم ، كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات فوجدها كبيوت الزنابير . إِنَّهُ هُوَ أي : وحده السَّمِيعُ أي : لجميع أقوالكم الْعَلِيمُ أي : بجميع ما تسرونه وتعلنونه من أعمالكم وشمول العلم يستلزم تمام القدرة فصار كأنه قال : إنه السميع البصير العليم القدير تثبيتا للتوكل عليه . ولما بين سبحانه وتعالى أنّ القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين ، أكد ذلك بأن بين أنّ محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لا يصح أن ينزلوا عليه من وجهين ذكرهما بقوله تعالى : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي : أخبركم خبرا جليا نافعا في الدين عظيم الجدوى في الفرقان بين أولياء الرحمن وإخوان الشيطان عَلى مَنْ تَنَزَّلُ وتتردّد الشَّياطِينُ حين تسترق السمع ولما كان كأنه قيل : نعم أشار إلى أحد الوجهين بقوله تعالى : تَنَزَّلُ على سبيل التدريج والتردّد عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أي : كذاب أَثِيمٍ أي : فاجر مثل مسيلمة الكذاب وغيره من الكهنة أشار إلى ثاني الوجهين بقوله تعالى : يُلْقُونَ السَّمْعَ أي : الآفكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها ، كما جاء في الحديث : « الكلمة يخطفها الجنيّ فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة » « 2 » ، ولا كذلك محمد صلّى اللّه عليه وسلم فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها ، ويجوز أن يعود الضمير على الشياطين ، ومعنى إلقائهم السمع إنصاتهم إلى الملأ الأعلى قبل أن يرجموا فيخطفون منهم بعض المغيبات ويوحونه إلى أوليائهم أو يلقون الشيء المسموع إلى الكهنة وَأَكْثَرُهُمْ أي : الفريقين كاذِبُونَ أما الشياطين فإنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا ، وأمّا الآفكون : فإنهم يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم . فإن قيل : كيف قال وأكثرهم كاذبون بعدما حكم عليهم أنّ كل واحد منهم أفاك ؟ أجيب : بأنّ الأفاكين هم الذين يكثرون الكذب لأنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب فأراد أنّ هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجنيّ وأكثرهم مفتر عليه . ولما قال الكفار لم لا يجوز أن يقال الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء . ثم إنه تعالى فرق بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين الكهنة ، وذكر ما يدلّ على الفرق بينه وبين الشعراء بقوله تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أي : الضالون المائلون عن السنن الأقوم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة حديث 418 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الطب باب 46 ، والتوحيد باب 57 ، ومسلم في السلام حديث 122 - 124 ، وأحمد في المسند 6 / 87 .